| ► | آذار 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||

لما كان العلم أظهر الأشياء , ويظهر به كل شيء, فلا يُعرف بشيء أصلاً, ولا يمكن أن يقع في حده أي مفهوم من المفاهيم, وإلاّ لزم من ذلك تعريف الشيء بما هو أخفى منه, وإظهاره بما لا ظهور له بنفسه. ولأننا إذا عرّفنا العم فلا يخلو, إما أن نعرّفه بنفسه, فيلزم الدور, وهو توقف معرفة الشيء على نفسه, وهو مستحيل, وإما أن نعرّفه بعلم آخر فيلزم التسلسل, وهو توقف الشيء على آخر وهكذا, إلى ما لا نهاية, وهو مستحيل أيضاً, وإما أن نعرّفه بغيره, وليس غير العلم إلاّ الجهل, فيكون العلم جهلاً, وهو تعريف الشيء بما يضاده ويناقضه..ولا يصدق ذلك. فلم يبقَ إلاّ أن يُعد العلم من الوجدانيات والكشفيات [1], وكل ما كان كذلك لم يعرف ولم يحد, وهو يدرك بلا تأمل, ولا تتوقف معرفته إلاّ على مجرد الالتفات.
فإن الصفة القائمة بالنفس والتي نسميها العلم , والتي يلزمها الإضافة, ليست ببساطة إلاّ الانكشاف.. فالعلم هو الكشف, والكشف عبارة عن رفع الحجب عن وجه المعلوم, فيُرى مباشرة.
وتعريف العلم بالكشف هو تعريف بالمرادف, وشرح للفظه, وليس بياناً لحقيقته –لوضوحها- مما لا تقبل الشرح ولا التحديد.. والهدف من تعريفه بالكشف الإشارة إلى وضوحه, إذا الكشف مما خلاف حول مفهومه, ولا نزاع حول ما يفيده من المعنى وما يشير إليه من المدلول, فيكون ما يساويه في اللفظ مساوياً له في المعنى والوضوح كذلك.
والذي يتحقق بالعلم هو (الكشف التام) أو فعل الانكشاف التام, ويصح حينئذ أن يقال: (أن العلم هو الكشف التام عن وجه المعلوم) فيقع الاتفاق على هذا بين جميع من أرادوا تعريف العلم.
هذا الكشف له جهتان, لأنه إذا نسب إلى الخلق فهو كشف إحاطي تمييزي انفعالي, وإذا نسب إلى الحق فهو كشف تام حقيقي ذاتي فعلي.. وبين المرتبتين بون شاسع وفرق بعيد.
والعلم بهذا المعنى أعم من المعرفة, وهو يصدق عليها وعلى غيرها, ولا بد عندها أن تكون المعرفة أخصّ منه وأضيق دائرة. فليس كل علم معرفة وإن كانت كل معرفة علماً.. والسبب هو أن المعرفة تُطلق على معنيين, كل واحد منهما نوع من العلم, والعلم جنس لهما:
أحدهما: العلم بأمر باطن يستدل عليه بأمر ظاهر.
وثانيهما: العلم بمشهور سبق به عهد. كما إذا رأيت شخصاً كنت قد رأيته من قبل فعلمت أنه –أي المرئي- ذلك المعهود بعينه.
والمعروق على الوجه الأول غائب, وعلى الوجه الثاني شاهد. وقد يسمى الأول (دلال الشاهد عل الغائب) وهو طريق النظر عند أرباب العقول وأصحاب الجدل, ويسمى الثاني (دلالة الشاهد على نفسه).
وتفاوت مراتب العارفين واختلاف درجاتهم ليس إلاّ لتفاوتهم واختلافهم في هاتين المعرفتين, فمن العارفين من ليس له طريق إلى معرفة الله إلاّ بالاستدلال بفعله على صفته, وبصفته على أسمه, وباسمه على ذاته, أعني يستدلون عليه بقياس الغائب على الشاهد, وهؤلاء.. ينادون من مكان بعيد.
ومنهم من تحمله العناية الأزلية فتطير به إلى حريم الشهود, فيشهد المعروف في مقام (ألست بربكم) أي في مقام العهد والشهادة الفطرية الجبّلية.. ويتعرف على ذات الحق وأسمائه وصفاته في ظرف شهوده, ويكون عكس الأول, إذ الأول لغيبة معروفه فهو كالنائم يرى خيالاً لا يطابق الواقع ولا يدل عليه, والثاني لشهود معروفه فهو كالمستيقظ, يرى مشهوده في حقيقته وواقعه, من دون أن يحول بينهما حجاب [2].
والمعرفة بهذين المعنيين, وإن كانت أخص من العلم وأضيق, باعتبار أنها إحدى مراتبه ونوع من أنواعه, إلاّ أنها أعظم مراتبه وأرفعها شرفاً وأسماها منزلة, سواء تعلقت –المعرفة- بالواجب نفسه أو بغيره من الأشياء.
والسبب هو؛ أن المعرفة لا يخلوا إما أن تتعلق بالواجب وما يتعلق به, أو بالممكن وما يتعلق به, إذ ليس غيرهما بالاتفاق موجود, وحقيقة الممكن ليست في الواقع والحقيقة إلاّ الحق, والحق لا يدرك عن طريق قياس الغائب على الشاهد, ولا يعرف بدلالة أمر ظاهر, فلا يبقى إلاّ أن يُدرك ويعرف بشهود حقيقته وانكشاف ذاته للعارف في مجالي أسمائه وصفاته ومظاهر كمالاته انكشافاً وجدانياً.
هذه المعرفة هي العلم الأسمى, وهي الدرجة العليا بين مراتب العلم, وتُخصّ لوحدها باسم (المعرفة)[3].
وبمعرفة الحق يمكن أن تعرف الأشياء في مقام بطونها, كما يمكن أن تعرف في مقام بروزها وظهورها كتجليات للحق في مقام الكون والاستحالة.
واعلم؛ أن هذه المعرفة الحقة بصورة عامة ثلاث مراتب:
- مرتبة العلم.
- مرتبة المعرفة.
- مرتبة الحكمة.
فالأولى هي: مرتبة الكشف التمييزي الإحاطي للمعلومات على ما هي عليه, بلوازمها ولوازم لوازمها, لا في حقيقتها وذاتها.
والثانية هي: مرتبة العلم بالمعلومات من حيث حقيقتها, مجردة عن لوازمها ولوازم لوازمها, والعلم بترتبها في مراتبها لا غير.
والثالثة هي: حضرة العلم بالمعلومات ومراتب الترتيب الواقع بين مراتب الحقائق ولوازمها وعوارضها, والعلم بالمواطن والأحوال.
وبالتالي؛ تكون المعرفة الواقعة في منهج العرفان عبارة عن كل تلك المراتب الثلاث للمعرفة, وأعلى مراتبها هي تعيّن أقدار الحقائق وخصوصياتها في العلم بحسبها, أي معرفة حقائق المعلومات ومصالح ترتيب مواضعها. ولذا قيل في معنى الحكمة الواردة في القرآن الكريم {وَمَنْ يؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [4] أنها: (معرفة حقائق الأشياء والعمل"بها" بموجبها) [5].
وبتفاوت درجات هذه المراتب الكلية الثلاثة كذلك تتفاوت مراتب ودرجات العارفين بالله المكاشفين, بقدر تفاوتهم في المكاشفة بها.. أما من كوشف بها جميعا وحاز على كمال مراتبها وأحاط بحقائقها كان (أكشف المكاشفين) وأعرف العارفين, لمكان جمعه بين مراتب هذه الحضرات واطلاعه على ما فيها من الحقائق والمعارف كشفاً وعياناً.
وهذا لا يتم لأي أحد, ولا يكون في أي منهج أو مسلك, إلاّ للعارفين السالكين منهج العرفان والشهود.. إذ لكل مرتبة من مراتب المعرفة تلك عالَماً بحسبها, وهذه العوالم هي عوالم كلية تحوي جميع عوالم المعرفة, وهي بالترتيب التالي:
- عالم الظاهر, ويقابله مرتبة الكشف التمييزي الإحاطي.
- عالم الباطن, ويقابله مرتبة العلم بحقائق المعلومات.
- عالم الواقع, ويقابله العلم بالمراتب والترتيب الواقع بين مراتب حقائق المعلومات.
وأعلى مراتب العرفاء والعارفين إنما تتمايز في القابلية على الجمع بين تلك العوالم وما يلازمها من المراتب الكشفية, ولا يمكن التحقق بمقام الولاية ما لم يتحقق بذلك.. وهو قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [6].. أي أنهم لو أقاموا أركان الشريعة المعبر عنها في الآية بـ(التوراة) [7]من حيث الظاهر, وأقاموا أركانها من حيث الباطن, وهو المعبر عنه بـ(الإنجيل) وأقاموا ما أنزل إليهم, وهو القرآن, ومن ثم طبقوا كل ذلك وانزلوه منازله المناسبة وصيروه ملائماً للواقع, لشاهدوا الحقائق الروحانية وأدركوا حقائق المُلك والملكوت, وشاهدوا لطائف القدس والجبروت مشاهدة حقيقية, كشفاً عينياً, وذوقاً شهودياً, إلى ما لا نهاية من مكنون مراتب المعارف الحقيقية.
وعين ذلك التفاوت واختلاف الدرجات في هذه المعرفة هي المقصودة للسالك من لفظ العلم عند إطلاقه, وهي التي تُقصد وبالطلب والبحث, وهي غايته ومنتهى مقصده وأقصى مرامه ونهاية سعيه.
والعارف بهذا المعنى الذي عرفته لا يعارض أحداً من أصحاب النظر والاستدلال والمقايسة, إذ يعرف أن الكل طالبون للحق وإن ضلوا, متوجهون إليه وإن اختلفوا, بمقتضى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق).
واعلم؛ أن لكل علم من العلوم معيار يعرف به صحيح ما يختص بذلك العلم من سقيمه, وخطؤه من صوابه. كالنحو في علم العبارة, والمنطق في العلم النظري.. ولما كان شرف العلم –كل علم- إنما هو بشرف معلومه ومتعلقه, كان العلم الإلهي أشرفها لشرف متعلقه, وهو الحق سبحانه.. فكانت الحاجة إلى معرفة موازينه وتحصيل ضوابط أصوله وقوانينه أمَسّ.. وأنه إن قيل فيه: أنه لا يدخل تحت حكم ميزان معين. فليس لأنه لا ميزان له, بل لأنه صح عند الكُمَّل ذوي التحقيق أن للعارف بحسب كل مرتبه وكل مقام وموطن وحال ووقت واسم من الأسماء الإلهية ميزانا يناسب تلك المرتبة وذاك الاسم, وكل مما ذُكر.. وبذلك الميزان يحصل التمييز بين أنواع العلوم والمعارف الشهودية اللدنية واللقاءات والواردات والتجليات الحاصلة له, وبه يتمكن العارف من التفرقة بين الإلقاء الصحيح الإلهي, وبين الإلقاء السقيم الشيطاني ونحوه مما لا ينبغي الوثوق به.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أمر مهم وهو: أن معيار العلم الإلهي معيار شخصي أولاً, وذاتيّ ثانياً, وكذلك شأن العلوم العرفانية نفسها, بمعنى أنه كما العلوم العرفانية علوم مرتبطة بالعارف نفسه ومن مختصاته في ذاته, معرفةٌ لا يشاركه فيها أحد من بني البشر, وهو وحده يشهد ما يشهد ويرى ما يرى, وهو في أغلب الأحيان, بل في أكثرها, لا يستطيع جعل هذه المعرفة الخاصة الذاتية أمراً شائعاً متناقلاً بالتعليم والتلقين.. فكذا المعيار والمقياس الذي تقاس به وتوزن, فإنه مقياس شخصي, والعارف والمشاهد هو وحده من يستطيع استخدام مقياس كهذا والإحساس بفاعليته وجدواه.. فتبقى طبيعة هذا المقياس مجهولة عند الآخر وكذا قيمته.
وهذا الأمر بالذات ما جعل من السلوك والعرفان أمراً خارجاً عن حدود ما يحكم عليه بإيجاب أو سلب وعلى طول الخط.. فإن ذلك لا يصح إلاّ إذا كان الشيء الذي يراد أن يحكم عليه أمراً قابلاً في نفسه لأن يكون في متناول الكل .. والأمر هنا ليس كذلك..
إننا أمام تجارب شخصية ذاتية, أعني أمام تجارب شهود وعلم ومعرفة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأصحابها, إنها تجاربه
1- ما هي الرجعة؟
بعبارة موجزة هي عبارة عن إرجاع الله عز وجل لبعض الناس إلى الدنيا بعد الموت وقبل يوم القيامة، وسيتضح التفصيل خلال البحث من بقية تلك الأسئلة.
وهذا المعنى هو الذي صرحت به كتب اللغة، قال الجوهري في الصحاح، (وفلان يؤمن بالرجعة أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت)، وقال أيضاً: الكر الرجوع. وقال صاحب القاموس أيضاً ج3 ص28: ويؤمن بالرجعة أي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت، فهذا معناها الحقيقي المتفق عليه لا غير.
من يقول بالرجعة أو يعتقدها؟
أما السؤال الثاني: مَن يقول بها أو يعتقدها؟
الجواب، اشتهر القول بالرجعة عند الشيعة الإمامية فهم الذين يقولون بها، بل يؤمنون ويعتقدون وقوعها وهي عندهم من المسلمات، ومن ضروريات المذهب، ويروون عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا؟ ولم يستحل متعتنا(1) ويقرؤون في زيارتهم“ {الجامعة الكبيرة} وهي كما في (مفتاح الجنات) للسيد الأمين العاملي ج2 ص211: من أحسن الزيارات متناً وسنداً وأكملها وقد رواها شيخنا الصدوق في (العيون) ج2 ص272 بإسناد معتبر، وكذا رواها الشيخ الطوسي في (التهذيب) بسنده ج2 ص34 عن الإمام علي الهادي(عليه السلام)، كما رواها الصدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه) ص309 ونقلها عن الصدوق، والطوسي المجلسي في (البحار) ج53 ص92 جاء فيها ما يصرح بالرجعة حيث يقول: وجعلني ممن يقتص آثاركم ويسلُك سبيلكم، ويهتدي بهداكم، ويحشر في زمرتكم، ويكرّ في رجعتكم، ويملك في دولتكم، ويشّرف في عافيتكم، ويمكّن في أيّامكم وتقرّ عينه غداً برؤيتكم.
وفي زيارة الجامعة أيضاً: مؤمن بإيابكم مصدّق برجعتكم منتظر لأمركم، مرتقب لدولتكم..الخ.
وفي زيارة الأربعين للإمام الحسين(عليه السلام) عن الإمام الصادق(عليه السلام) وكذا في زيارة وارث المطلقة: وأُشهِد الله وملائكته وأنبياءه ورسله أني بكم مؤمن وبإيابكم موقن بشرائع ديني وخواتيم عملي…الخ.
وهكذا جاء في أكثر زيارات الأئمة الأطهار والأدعية الواردة عنهم “ التصريح في رجعتهم وأن شيعتهم يؤمنون بها وهي من الكثرة بمكان حتى أن آية الله الشيخ محمد رضا الطبسي جمع بعض ما ورد في تلك الأدعية والزيارات من النصوص الصريحة والدالة على الرجعة، الواردة عن خزان العلم وأهل بيت الوحي“ في مؤلفه القيم (الشيعة والرجعة) الكثير الكثير في ج2 ص117-242، فتحت عنوان (الأدعية والرجعة) جمع من المصادر الموثوقة وبصحائف مرقمة 67 قطعة من تلك الأدعية المأثورة، وتحت عنوان (الزيارات والرجعة) جمع 58 قطعة من تلك الزيارات من مصادرها الثابتة عنهم“ فراجع إذا شئت.
أما الأخبار الواردة عن النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الأطهار“ الدالة على الرجعة والمصرحة بوقوعها تُعد بالمئات وربما زادت على خمسمائة رواية في أبواب متفرقة وكثيرة كما نص على ذلك العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج2ص109، ويقول شيخنا المجلسي في (البحار) ج53 ص122: أجمعت الشيعة عليها (أي الرجعة) في جميع الأعصار واشتهرت f,fأبوببينهم كالشمس في رابعة النهار حتى نظموها في أشعارهم واحتجوا بها في جميع أمصارهم إلى أن قال:
وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار“ فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح، رواها نيف وأربعون من الثقات العظام، والعلماء الأعلام، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم، (وعد جمعاً منهم إلى أن قال):
وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً ففي أي شيء يمكن دعوى التواتر مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن السلف…الخ.
وعلى كلٍ فقد أجمع علماء الشيعة مع أئمتهم“ على إثبات الرجعة ووقوعها، ونقل الشيخ الطبسي في كتابه (الشيعة والرجعة) ج2 ص245 تصريحات بعض العلماء بإجماع الشيعة على ذلك تحت عنوان (الإجماعات والرجعة) مبتدأ بالشيخ الطبرسي في (مجمع البيان)، ومنتهياً بالسيد أبو الحسن الأصفهاني ص245-288، هذا وقد شنع بعض المخالفين عليهم في ذلك، واستسخفوا عقيدتهم بها حتى جعلوا القول بالرجعة من الآراء السخيفة، بل بعضهم يصرح (عناداً أو جهلاً) بأنها مستحيلة الوقوع(1) فاحتجت عليهم الشيعة بأدلة قطعية من الكتاب والسنة، أدلة واضحة جلية، وملزمة، ولكنهم وكأنهم عن سماع تلك الأدلة في آذانهم وقراً فهم لا يسمعون.
وصدق الله حيث قال مخاطباً رسوله الأعظم(صلى الله عليه و آله):
( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(80)وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) [النمل/ 81-82]
متى تكون الرجعة، ومن الذي يرجع ومن لا يرجع؟
أما السؤال الثالث متى تكون الرجعة؟ وما كيفيتها؟ ومَن الذي يُرجع ومن لا يُرجع؟
فالجواب على هذه الأسئلة نقول:
قد تظافرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد(صلى الله عليه و آله) في أن الله الذي هو على كل شيء قدير سيعيد عند قيام المهدي (عج) وبعده قوماً ممن تقدم موتهم من آبائه الطاهرين، وأوليائه وشيعته المؤمنين إلى الدنيا ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته وتقر أعينهم به.
جاء في دعاء العهد الذي روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: من دعا الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا، فإن مات قبله أخرجه الله من قبره، وأعطاه بكل كلمة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة. وأوله:
اللهم رب النور العظيم، ورب الكرسي الرفيع، ورب البحر المسجور، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور، ورب الظل والحرور، ورب القرآن العظيم.
(إلى أن جاء في الدعاء):
اللهم أن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتماً مقضياً، فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرداً قناتي، ملبياً دعوة الداعي، في الحاضر والبادي، اللهم أرني الطلعة الرشيدة، والغرة الحميدة، وأكحل ناظري بنظرة مني إليه، وعجل فرجه وسهل مخرجه…الخ(1) وكما يعيد الله إلى الدنيا قوماً من شيعته، كذلك يعيد قوماً من أعدائه وأعداء آبائه الطاهرين لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقون من العذاب في القتل على أيدي شيعتهم، بعد أن يعانوا الذل والخزي والعار بما يشاهدون من علو كلمته، وظهور دولته.
ومختصراً: الرجعة عند أهل البيت“ (وشيعتهم تبع لهم) رجعة خاصة، وحشر خاص يخص من محض الإيمان محضاً، ومحض الكفر والشرك محضاً، كالنبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته وأتباعهم المخلصين من المؤمنين، وأعدائهم الألداء ممن مات على غير دينهم دين الإسلام، وما عدا هؤلاء مسكوت عنهم.
يوم الرجعة من أيام الله الخاصة:
ويوم الرجعة عند أهل البيت“ هو أحد أيام الله العظيمة التي يظهر فيها للعيان أمره وحكمه وآياته وسلطنته عز شأنه.
تلك الأيام هي التي تشير إليها بعض الآيات القرآنية الكريمة منها قوله تعالى في سورة إبراهيم:
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور) [إبراهيم/6]
ومنها قوله تعالى في سورة الجاثية:( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الجاثية/15].
نرى في هاتين الآيتين نسبة أيام إلى الله تعالى، ومما لا شك فيه أن المراد بها أيام خاصة لا عامة لكل الأيام، ومعلوم أن نسبة أيام خاصة إلى الله سبحانه مع كون جميع الأيام وكل الأشياء على الإطلاق له جل شأنه إذاً لا بد وأن يكون في تلك الأيام ظهور مشاهد لأمره وحكمه بحيث لا يبقى معه لغيره ظهور ولا حكم، فأيام الله هي الأزمنة والظروف التي أظهر أو سيظهر فيها حكمه ووحدانيته وسلطته كيوم الموت الذي يظهر فيه سلطان الآخرة وتسقط فيه الأسباب الدنيوية عن التأثير، وكيوم القيامة الذي أشارت إليه الآية الكريمة:) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ( [الانفطار/ 5]، وكالأيام التي أهلك الله فيها قوم نوح، وعاد، وثمود، فإن هذه الأيام وأمثالها ظهر فيها القهر والغلبة الالهيان وأتضح فيها) إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا( [يونس/66] كما يمكن أن تكون من أيام الله عز وجل أيضاً الأيام التي ظهرت فيها النعم الإلهية ظهوراً ليس فيه لغيره صنع كيوم خروج نوح (عليه السلام) وأصحابه من السفينة بسلام من الله وبركات منه، ويوم إنجائه إبراهيم الخليل من النار وغيرهما فإنهما أيضاً كسوابقهما لا نسبة لهما في الحقيقة إلى غيره تعالى، فهي أيام منسوبة إليه كما تنسب بعض الأيام إلى الأمم والأقوام ومنها أيام العرب كيوم ذي قار ويوم الفجار، ويوم بغاث وغير ذلك، هذا ما يستفاد من نسبة أيام خاصة إلى الله.
وجاءت عن النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته عدة أحاديث من طرق الخاصة والعامة تفسر المراد من أيام الله: نستعرض بعضها:
1- ففي حديث نقله السيوطي في تفسيره (الدرالمنثور) ج4 ص70 عن النسائي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في (شعب الأيمان) عن أبي بن كعب (رض) عن النبي(صلى الله عليه و آله) في قوله تعالى:) وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ( قال: بنعمه وآلائه: أي بنعمة على المؤمنين في تلك الأيام. ورواه ابن كثير في تفسيره عن بعض تلك المصادر ج2 ص523.
2- وما في معناه رواه العياشي في تفسيره ج2 ص222، والطبرسي في مجمع البيان ج3 ص304، ونقله عنهما المولى محسن الفيض في (الصافي)، والعلامة الطباطبائي في (الميزان) في قوله تعالى: ) وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ( عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: بآلائه ونعمه.
3- ونقل العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج12 ص16عن آمالي الشيخ الطوسي بإسناده عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله في حديث طويل عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال فيه: أيام الله نعماؤه وبلاؤه وهو مثلاته سبحانه: أي عقوباته.
4- وجاء في تفسير القمي ج1 ص367 قوله: أيام الله ثلاثة يوم القائم، ويوم الموت، ويوم القيامة.
نقله عن القمي المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي)، والبحراني في تفسيره (البرهان) ص534 على ما نقله عنه الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص105، كما نقله عن القمي العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج12 ص16 ونقله عن القمي المجلسي في (البحار) ج1 ص45.
5- وجاء في حديث شهير عن أهل بيت الوحي والعصمة منهم الإمامان الباقر وولده الصادقL أنهما قالا:
أيام الله عز وجل ثلاثة، يوم القائم، ويوم الكرة (أي يوم الرجعة) ويوم القيامة. ورواه بهذا النص الصدوق في كتابه (معاني الأخبار) ص348 بسنده عن الإمامين الباقر والصادقL ونقله الطباطبائي في (الميزان) ج12 ص16، كما رواه الصدوق أيضاً بسند آخر في كتابه (الخصال) ص108 عن الباقر (عليه السلام) ، ونقله عن الصدوق في الخصال المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي) في تفسير سورة إبراهيم، ونقل الحديثين عن الصدوق المجلسي ج51 ص50، وفي ج53 ص63، ونقله في نفس الصفحة عن كتاب (منتخب البصائر) أيضاً، ونقل الحر العاملي في كتابه (الإيقاظ) ص97 الحديث عن الصدوق وغيره، كما روى الحديثين بنصهما ص235 عن الصدوق في كتابيه وعن كتاب (الصراط المستقيم) للعاملي وأن هذا الأخير نقل الحديث عن كتاب الحضرمي، وروى الحديث عن الباقر والصادقL الشيخ سليمان الحنفي في كتابه (ينابيع المودة) نقلاً عن كتاب (المحجة) ص424 باب71، وروى الحديثين البحراني في تفسيره (البرهان) ص533-534، ونقلهما عنه الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص105 و106، وقال الطباطبائي في (الميزان) ج2 ص112 وورد عن أئمة أهل البيت“، وذكر الحديث.
6- روى البحراني في تفسيره (البرهان) ص1002 عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: أيام الله المرجوة ثلاثة، يوم قيام القائم، ويوم الكرّة، ويوم القيامة. ونقله الطبسي ج1 ص375، وج2 ص160.
وهذه الأحاديث التي جاءت تفسر المراد من أيام الله من جهةٍ تراها مختلفة في منطوقها ونصوصها، ومن جهة ثانية – وبعد التدبر لها يتضح لنا إنها غير مختلفة في مفهومها ومفادها وبيان ذلك هو أن الحديث الأول عن النبي (صلى الله عليه و آله) ، والثاني عن حفيده الإمام الصادق(عليه السلام) نصاً في أن المراد من أيام الله هي نعماؤه وآلاؤه، ومعلوم إن النعما
(الحمد لله رب العالمين
الحمد:- وقيل في معناه ولغته أقوال منها:
أولا: الحمد لغةً هو: المدح على فعل حسن صدر من عن فاعله باختياره سواء أسراه إلى الحامد أو إلى غيره.
والمدح يعم هذا وغيره، فيقال: مدح المال ومدح الجمال ومدح الرياض. واشتهر المدح على اللؤلؤ وصفائها.
والحمد مصدر ? يقال: -رجل حمد ? منزل حمد-? وهو من باب الوصف بالمصدر، وهي حمدة أي محمودة.
وقال الخليل بن احمد: الحمد حسن الثناء وهو نقيض الهجاء. قال الشاعر:
يا أيها الماتح دلوه دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيراً أو يمجدونكا أرجوك للخير كما يرجونكا
وقال: ?"الحمد" يكون على الخلال الجميلة. والحمد لله سبحانه: على أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
و"الحمد" هو الثناء باللسان على جميل اختياري نعمة وغيرها.
وقيل: هو الثناء الجميل أو الثناء الكامل، وقد جمعت هذه اللفظة جمع قلة. قال الشاعر:
وأبلج محمود الثناء خصصته بأفضل أقوال وأفضل احمدي
وقيل: هو إظهار كمال المحمود قولاً أو فعلاً أو حالاً (ليكون حمده تعالى ذاته حقيقياً، وحمده تعالى على صفاته حمد على الآثار الاختيارية منه تعالى).
و"احمد" الرجل صار أمره إلى الحمد، وتقول: احمدته -أي وجدته محموداً-. وإذا رضيت بسكنى دارٍ أو أرضٍ تقول: أتيت موضعاً أو سكنت داراً فأحمدته، وتقول العرب: رجل محمدة "مثل همزة" وهو الذي يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها. وتقول العرب أيضاً: حَمَدَت النار، وهو صوت التهابها.
و"الحماد" الكثير الحمد.
و"حمدل" القارئ إذا قال الحمد لله.
و"احمد" علم منقول من افعل التفضيل بمعنى الأكثر حمدا، وهو اسم نبينا صلى الله عليه واله في التوراة والإنجيل. قال تعالى حكاية عن عيسى ابن مريم عليه السلام: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه احمد).
و"محمد" علم معناه من كثرت خصاله المحمودة، وهو اسم نبينا صلى الله عليه واله (وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل).
قال الشاعر: إلى الماجد القرن الجواد المحمدي.
واعلم، انه يمكن أن يراد بالحمد الحامدية ? المحمودية جميعا، بناء على انه فعل واحد بين الحامد والمحمود من الناحية المعنوية.
أما لو نظرنا إليه باعتباره مشترك لفظي فيكون أيضا كذلك، إذا نسبناها إلى الحامد يكون الحمد حامديه، ? إذا نسب إلى المحمود تكون محمودية.
ذهب جمع من المحققين بجواز استعمال المشترك لمعانيه على نحو الحقيقة.
سؤال/ ما الفرق بين الحمد والشكر والمدح؟
جوابه/ وقع الخلاف بين اللغويين في معاني هذه الكلمات، ?هل هي ألفاظ مترادفة أو متباينة أو غير ذلك. ولكن اعلم، إن كلمة الحمد في ملامحها توحي ببعض الإيماءات النفسية والاحساسات الشعورية التي تجعل لها معنىً يتصل بالشكر وبالثناء وبالمدح. فكان الإنسان عندما ينفتح على المدح يتحسس موقع العظمة المنفتح على النعمة، من حيث امتزاج المعنيين أو تداخلهما باعتبار ارتباط مواقع الوجود ببعضها. وهذا ما نراه في اغلب الكلمات المترادفة التي قد تتفق بالمعنى من حيث المبدأ ولكنها تختلف من حيث الإيحاءات مما يجعل لكل كلمة موقعا يختلف عن موقع الكلمة الأخرى، فمثلا تجد إن كلمة بشر توضع في مقابل كلمة الَملك بينما توضع كلمة الإنسان في مقابل كلمة الحيوان مع العلم إن معنى بشر و إنسان واحد.
وعلى أية حال، نذكر ألان طرفا مما قيل في معاني تلك الألفاظ وموارد الاشتراك والافتراق بينها:
1- ذهب الطبري والمُبَرِد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد. قال أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب الحقائق: وهذا ليس بمرضي.
2-قال بعض العلماء الشكر اعم من الحمد لأنه باللسان والجوارح بخلاف الحمد فانه لا يكون إلاّ باللسان خاصة.
3- قال قسم من العلماء: إن الحمد اعم من الشكر والسبب لان في الحمد معنى الشكر ومعنى المدح، ولكون الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد.
روي عن ابن عباس انه قال: "الحمد لله كلمة كل شاكر ? وان آدم عليه السلام حين عطس قال: الحمد لله". وقال الله تعالى لنوح عليه السلام: (فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين). وقال إبراهيم عليه السلام: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق). وقال داود وسليمان عليهما السلام: (الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين).
وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً) وقال أهل الجنة:الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن) وقولهم: ( ?آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين).
قال الآخرون الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان. والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان ولهذا قالوا: الحمد اعم من الشكر.
أقول: الحمد هو الثناء على عمل أو صفة طيبة مكتسبة عن اختيارٍ –أي إن الشخص حينما يؤدي عملاّ طيبا عن وعيٍ أو يكتسب باختياره صفةً تؤهله ?أعمال الخير، فأننا نحمده ونثني عليه.
المدح هو الثناء بشكل عام سواء كان ?أمر اختياري أو غير اختياري كمدحنا جوهرة جميلة.
وعليه فمفهوم المدح عام بينما مفهوم الحمد خاص. أما الشكر فأخص من الاثنين ويختص على ما نُبْدِيِه تجاه نعمة تغدق علينا من منعم عن اختيار . بل قال قسم من العلماء : إن تعريف الشكر هو مقابلة النعمة قولا وعملا واعتقادا . فعلى هذا يكون الشكر اعم من وجه من المدح والحمد وأخص منهما من وجه آخر(عموم وخصوص من وجه).
وقال قسم آخر منهم: إن الشكر هو الاعتراف بالفضل إزاء نعمة صدرت من المشكور بالقلب أو باللسان أو باليد أو غيرها من الأعضاء قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
قال الزمخشري في كشافه: إن الحمد والمدح أخوان والحمد أخص من الشكر موردا واعم منه متعلقا، فمورد الحمد اللسان فقط ? متعلقة النعمة وغيرها.ومورد الشكر اللسان والجَنان ? الأركان ? متعلقة النعمة. وقال صاحب التبيان: والشكر والحمد على معني واحد (وهذا مردود).
1- قال آخرون إن مولد الحمد كمورد الشكر لان كل ثناء بالسان لا يكون من صميم القلب مع موافقة الجوارح فهو ليس بحمد بل سخرية واستهزاء وهذا مردود أيضا لان موافقة القلب والجوارح في الحمد لا يستلزم أم يكون مورداً له بل شرطاً والمدح نقيض الذم والشكر نقيض الكفران قال تعالى لان شكرتم لأزيدكم ولان كفرتم إن عذابي لشديد وقال بعض المفسرين إن الحمد من أشباه الأذكار كتسبيح والتهليل فيكون من المساعي الأزاهرة والشكر من أشباه النيات والأخلاق كالصبر والتفويض والرضى فيكون من المساعي الباطنة وان الشكر يقابل الكفر والحمد يقابل اللوم وان الحمد اعم واكثر والشكر أخص واقل لقوله تعالى وقليل من عبادي الشكور إذا فمعنى الحمد هو الثناء على أحد بالفعل الجميل والشكر هو الطاعة بجميع الجوارح لرب العالمين سراً وعلنية. أو هو صرف العبد جميع ما أتنعمه الله تعالى عليه في ما خلق لأجله وهو أداء الطابعات ظاهراً وباطناً واجتناب المحارم /مالك وهذا هو الذي يوجب تعظيم المنعم على مقابلة إحسانه ويجب أن يكون صرف الجوارح وسائر النعم لمحلها لأمرين الأول لدوام النعمة والثاني لحصول الزيادة لان الشكر يقيد النعم وبه تدوم ولا تزول لكون كل صفة أو قوة مخلوقة لغاية وفائدة فإذا صرف في محلها دامت إلى اجل مسمى ولا زالت قبل ذلك قال تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقال تعالى كفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ولذا أيد العلماء النعم بالشكر وأما الزيادة في الشكر نتيجته زيادة في النعمة ولذلك لان المولى إذا رأى عبده قام بحق نعمته فانه يمن عليه بنعمة الأخرى التي يراه أهلا لها ولا فينقطع عنه ذلك ومن الغريب الاستدلال على إن الشكر والحمد واحد لصحة قولنا الحمد لله شكراً نصباً على انه مفعولاً مطلق وغير خفي عليك إذا كان الشكر أخص من الحمد فلا يدل على الاتحاد بالمعنى ثم إن قوماً قد توهمواًَ إن الحمد يقابل اللوم واستدل من قال بذلك
2-كريماً إذا امدحه امدحه والورى معي وإذا ما لمته لمته وحدي. (وهذا توهم).
سؤال/ ما الوجه في إدخال الألف اللام على حمد؟
جوابه/ الألف واللام في الحمد لتعريف الجنس وهو الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من معنى الحمد بناء على إن الاختصاص يكون حينئذ مستفادا من جوهر الكلام من غير استعانة بالأمور الخارجة ويكون مستلزماً لاختصاص جميع الأفراد.
سؤال/ وهل يمكن أن تكون الألف واللام للاستغراق؟
جوابه/ نعم، بناء على ان المتبادر الى الذهن من المحلى بلام الجنس في المقامات الخطابية،هو الاستغراق وهو الشايع في الاستعمال وحينئذ يكون اختصاص الافراد مصرحا به.
فان قلت: لا يصح تخصيص جنس الحمد ولاتخصيص افراده لان الافعال ان كانت من عند الله فللكسب فبه مدخل فيرجع اليه بهذا الاعتبار . واما اذا كان خالق الافعال هو العبد فبمجرد تمكين الله اقداره عليها لايختص الحمد به بل يرجع سبحانه وتعالى وهذا لايفيد التخصيص بل الاشتراك.
قلت: لايبعد ان يقال ان جعل الجنس في المقام الخطابي منصرفا الى الكامل فكأنه كلٌ في الحقيقة فاختص الحمد من حيث هو وافراده به سبحانه.
وعليه، فدخول الالف واللام يونبأ على ان جميع المحامد بكافة مستوياتها لله وحده، ولو اسقطت الالف واللام من الحمد لما دلت الكلمه الاّ على مستوى او مرتبه واحدة من مراتب الحمد وهي مرتبة حمد القائل للفظ دون غيرها من المراتب.
اقول: كل ما تقدم مردود عندنا، من حيث ان الالف واللام للعهد –أي ان هناك حمد خاص ومعروف هو الذي يجب ان يحمد الله تعالى به، وهذه المرتبة لا ينالها الاّ من افرغ قلبه من كل شئ.
الله: لفظ الجلالة. وقد مرّ بيان لغته واشتقاقه في مبحث البسملة. فراجع.
سؤال/ ما الذي تفيده اللام في "الله"؟
جوابه/ إن اللام تأتي للملك وشبهه، وللتمليك وشبهه وللاستحقاق وللنسب وللتعليل وللتبليغ وللتعجب وللتبيين وللصيرورة وللظرفية، بمعنى: في أو عند أو بعد، ? للانتهاء ? للاستعلاء ? للتاكيد. كل بحسب مورد استعمالها.
وعلى كل تقدير، فقولنا: "الحمد لله" ان كان الحمد مصدراً فاللام بمعنى التحقيق واللياقة. وان كان بمعنى ما يُحمد عليه فهو بمعنى الملك وشبهه.
والذي هو الاوفق انها بمعنى الملك، كما هو الاصل في معناها وليسالمراد منه هو مفهوم الملكية الخاصة, بل هي الملكية الاعم من الاختصاص وغيره.
قال ابن مالك:
اللام للملك ومعنى في ? عن بعن تجاوزا عني من قد فتن
فهذه الملكية الحقيقية لا الاعتبارية, وعلى هذا يكون معنى ذلك : ان الحمد ملك لله تعالى. وهو صحيح, من حيث ان المعاني الحرفية متعلقة بالمعاني الاسمية فكل ما كان منها قابلاً لأن يذكر ويتعلق به تلك المعاني الحرفية فهي بهذا المعنى.
واما اذا قلنا اللام بمعنى الاستحقاق والاختصاص, فلا يتم قولنا: الحمد مستحق لله أو استحقاق له تعلى.
ولا يستقيم قولنا: الحمد مخصوص لله.
فيعلم من ذلك ان اللام هنا بمعنى الملك في التفسير الاسمي. فافهم واغتنم.
سؤال: ما الوجه في الاتيان بلفظ الجلالة هنا دون غيره من الاسماء والصفات؟
جوابه: قلنا: ان اسم "الله" هو الاسم المعتدل بين الاسماء وهو ينطوي على جميع مقتضيات الاسماء على وجه العدالة, ويكون مظهره ايضا أعدل الموجودات, وفيه جميع الاوصاف على حدّ الاعتدال والاستواء. وان هذا الاسميعر بعن كون الذات جامعة لجميع الصفات والكمالات, لا لانه جامع لأعلى الاوصاف وارفع الكمالات، بل هو يقتضي كون كل كمال وجمال داخل حيطة وجود سماه واردٌ في مصبه وموقفه. وهذا ايضاً من غير فرق بين انحاء الكمالات الثابتة لانواع الموجودات الراقية المجردة والنازلة المادية.
فعلى هذا يختص الحمد بالله تعالى, ووجه الاختصاص اقتضاء الاسم الشريف. فالاتيان بكلمة "الله" هنا للايماء الى هذه الموهبة العظمى وتلك الرقيقة العليا.
سؤال: قال المفسرون: ان "الحمد لله" تفيد حصر الحمد به تعالى. فما الذي دلّ على ذلك؟ هل هي الالف اللام في "الحمد" ام اللام في "الله"?
جوابه: ان الذي سلكه المفسرون لاستفادة الحصر امور منها:
1- ان الالف واللام للاستغراق, فلا بد من الاستيعاب. فيكون كل حمد له تعالى. وهذا مردود لأمرين:
اولهما: ان دلالة الالف واللام عليه فيما المدخول مفردا محل منع, بل فيما كان المدخول جمعا محل اشكال, ضرورة ان الحمد لا يدل الاّ على نفس طبيعة الحمد, والالف واللام الداخلة عليه –كما مرّ سابقاً- لاتدل الاّ على كون الحمد بجنسه وطبعه وطبيعته له تعالى من غير النظر الى الافراد والمصاديق.
ثانيهما: قد تقرر في الاصول: ان العموم والاطلاق في جهة الحاجة الى مقدمات الحكمة لاستفادة العموم والاطلاق متساوية. والمسألة وإن كانت خلافية الاّ ان الاظهر ان مقدمات الحكمة المحتاج اليها دائم الحصول كما في النكرة في سياق النفي.
2- انهم استفادوا باعتبار: ان من مقتضى مقدمات الحكمة كون المتكلم في مقام بيان مرامه ومقصوده. ومن هنا يظهر كون الحمد بجميعه لله تعالى, ولا يكون لغيره شئ منه.
فاذا قيل: تامال لزيد, وكان في مقام افادة ان ما هو لزيد هو المال, فيكون هذا مفيدا للحصر. وهذا مردود, لان بين كون هذه الجملة تفيد حصر المال بزيد وبين كونها تفيد ان زيدا لا يكون له شئ غير المال.
والمقدمات السابقة المعبر عنها في الاصول بـ"مقدمات الحكمة ? مقدمات الفرار من الاهمال والاجمال" لا تفيد الان ان لله تعالى لا يكون الاّ الحمد. وهذا ليس هو مقصودنا, بل المقصود افادة حصر الحمد به تعالى, وانه لايكون للاخير حمد وما يستحق به الحمد.
3- قالوا: ان ظهور اللام "لله" وهي لام الملك تفيد الحصر. وهذا غير كافٍ للحاجة الى ارادة مطلق الحمد حتى يثبت له تعالى.
والذي نحن عليه: ان قولنا الحمد لله وملك له تعالى بعد ارادة اثبات نفس الطبيعة ملكا له وتحت ظله وسلطانه يفيد الحصر بدلالة عقلية لا لفظية. فان الفاظها قاصرة عن افادة الحصر.
نعم، لوكان هكذا "الله الحمد" كان لدعوى ان هيئته وضعت لافادة الحصر لّما قدم ما هو حقه التأخير.
واعلم، ان بعض المفسرينمن العامة والخاصة قد توهموا في ان: عدوله تعالى من قوله مثلاً "حمدت الله" أو "احمد الله" وما شابهه في الدلالة على الحصر لدلالة الجملة الاسمية عليه. وهذا عجيب!!
لان المعروف ان ما حقه التاخير اذا قدم يدل على الحصر, بخلاف هذه الجملة, فانه يمكن ان يكون في مقام حصر ملك الله بالحمد لا العكس.
وعليه لابد لاثبات حصر الحمد به تعالى او حصر ما يحمد به تعالى من التمسك بامر اخر خارج عن افق اذهان الاخوان من كلا الجانبين. وهو انما يكون سبب للحمد وموجباً لاستحقاق التحميد والثناء هو لله تعالى. فاذا كان هو له تعالى فملزومه وهو الحمد والمدح والثناء له تعالى.
واما هذه الجملة فدلالتها على حصر اللازم به تعالى او حصر ما هو لازم للحمد به تعالى فهو غير واضح دلالة وضعية. واما دلالة عقلية ومقدمات الحكمة وان الحامد في مقام افادة الحصر في ثنائه تعالى وحمده فهو غير بعيد. فيكون معناه: كل شئ يوجد في الخارج ويصدق عليه الحمد فهو له تعالى فاذا كان الحمد لكل جميل اختياري في غيره تعالى له تعالى ايضاً فلا يثبت به ان كل كمال له تعالى لان من الكمالات ما لا تكون من الجميل الاختياري.
وما استدل به صاحب الميزان "قدس" غير وجيه لانه اراد اثبات دلالة الاية على الحصر , فاستدل بامر خرج عن مفادها، فراجع!
فان ما اورده -على تقدير سلامته عن جميع المحذورات- هل يتم بان يكون كل ما اورده دالاً على حصر الحمد فيه؟
فان حصر الحمد به تعالى مع كونه على الجميل الاختياري يستلزم كون كل جميل فعله تعالى ومن ذاك الجميل على الاطلاق اذا كان اختيارياً لكل موجود.
واما صحة حمد الله تعالى على جميع افعاله لانه فعله الاختياري فهو خارج عما نحن بصدد اثباته. فافهم ولا تكن من الخالطين!!
القراءة والاعراب:
اجمع القراء السبعة على ضم "الدال" من "الحمد" وكسر اللام من "الله". وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج بنصب "الدال" ويكون النصب على اضمار فعل, حيث قالوا ان "الحمد لله" بالرفع مبتأ وخبر وسبيل الخبر ان يفيد. فما الفائدة من هذا؟
قال سيبوي: اذا قال الرجل: "الحمد لله" بالرفع ففيه من المعنى ما في قولك: "حمدت الله حمداً" الاّ ان الذي يرفع "الحمد" يخبر ان الحمد منه ومن جميع الخلق لله.
اما الذي ينصب "الحمد" يخبر ان الحمد منه وحده.
وقال غير سيبويه: ان من يتكلم بهذا انما يتعرض :"لحمد لله" تعظيما له وتمجيدا. وهذا خلاف الخبر, حيث يفيد السؤال فالمعنى يكون: قولوا الحمد لله.
وقرئ "الحمدِللهِ" بكسر "الدال" في الحمد بناء على تنزيل الكلمتين كالكلمة الواحدة لكثرة استعمالها ككلمة واحدة أو للاتباع. وهذه القراءة عن الحسن بن ابي الحسن وزيد ابن علي.
وروي عن ابن ابي عبلة: "الحمدُ لله" بضم الدال في "الحمد" واللام في "لله" للاتباع –أي اتباع الثاني للاول ولتجانس اللفظ. وطلب التجانس كثير في كلام العرب.
وخلاصة ما هو متفق عليه عند الجمهور ان "الحمد" مرفوع بالابتداءوخبره متعلق الظرف "لله" وتقديره "ملك أو كائن" واصله النصب على المصدرية باضمار فعله كسائر المصادر التي تنصبها العرب فعدل عنه الى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبات, لا التجدد والحدوث, ومنه قوله تعالى.
وقدم الحمد لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به, وان كان ذكر لفظ الجلالة اهم في نفسه.
سؤال: جملة الحمد لله رب العالمين هل هي خبرية ام انشائية؟ ولماذا؟
جوابه: ان لهذه الجملة الصغيرة حجماً كبيرا غير متناهيا دلالة ومعنى, وهي في غاية الرفاء والعلو افادة وانارة, كيف لا وهيمن تحميد الله لنفسه, فهي شاملة لجميع ما في القران من المحامد والاثنينية.
وهي جملة اخبارية










